صديق الحسيني القنوجي البخاري

172

أبجد العلوم

المحسوسات أولا ، ثم ما يكتسب بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا فيكون ذاتا روحانية ويستكمل حينئذ وجودها . فثبت أن كل نوع من العلوم والنظر يفيدها عقلا مزيدا ، وكذا الملكات الصناعية تفيد عقلا . والكتابة من بين الصنائع أكثر إفادة لذلك ، لأنها تشتمل على علوم وأنظار ، إذ فيها انتقال من صور الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية ومنها إلى المعاني ، فهو ينتقل من دليل إلى دليل ، وتتعود النفس ذلك دائما فيتحصل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى المدلول ، وهو معنى النظر الفعلي الذي يكتسب به العلوم المجهولة فيحصل بذلك زيادة عقل ومزيد فطنة . وهذا هو ثمرة التعلم في الدنيا . فائدة [ سادسة : ] ثم إن المقصود من العلم والتعليم والتعلم معرفة اللّه سبحانه ، وهي غاية الغايات ورأس أنواع السعادات ، ويعبر عنها بعلم اليقين الذي يخصه الصوفية أولو الكرامات وهو الكمال المطلوب من العلم الثابت بالأدلة . وإياك أيها المتعلم أن يكون شغلك من العلم أن تجعله صنعة غلبت على قلبك حتى قضيت نحبك بتكراره عند النزع ، كما يحكى أن أبا طاهر الزيادي كان يكرر مسألة ضمان الدرك حالة نزعه . بل ينبغي لك أن تتخذه سبيلا إلى النجاة . ذكر إحراق الكتب وإعدامها : ومن أجل ذلك نقل عن بعض المشايخ أنهم أحرقوا كتبهم ، منهم العارف باللّه سبحانه وتعالى أحمد بن أبي الحواري فإنه كما ذكره أبو نعيم « 1 » في « الحلية » لما فرغ من التعلم جلس للناس ، فخطر بقلبه يوما خاطر من قبل الحق ، فحمل كتبه إلى شط الفرات ، فجلس يبكي ساعة ثم قال : نعم الدليل كنت لي على ربي ، ولكن لما ظفرت بالمدلول علمت أن الاشتغال بالدليل محال . فغسل كتبه ، وذكر ابن الملقن « 2 » في ترجمته من ( طبقات الأولياء ) ما نصه « وقد روي نحو هذا عن سفيان الثوري أنه أوصى بدفن كتبه ، وكان ندم على أشياء كتبها عن الضعفاء » . وقال ابن عساكر في الكنى من التاريخ : « إن أبا عمرو بن العلاء كان أعلم الناس بالقرآن والعربية ، وكانت دفاتره ملء

--> ( 1 ) هو أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه بن أحمد الأصبهاني الشافعي . محدث ، مؤرخ ، صوفي . توفي بأصبهان سنة 430 ه . من مؤلفاته : حلية الأولياء ، تاريخ أصبهان ، دلائل النبوة ، معرفة الصحابة ، المستخرج على الصحيحين ، الفتن ، والطب النبوي ( معجم المؤلفين : 1 / 176 ) . ( 2 ) هو سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه الأنصاري الوادياشي الأندلسي التكروري الأصل المصري الشافعي ، المعروف بابن الملقن . فقيه ، أصولي ، محدث ، حافظ ، مؤرخ ، مشارك في بعض العلوم . ولد بالقاهرة سنة 723 ه ، وتوفي بها في 16 ربيع الأول سنة 804 ه . له مؤلفات كثيرة بلغت نحو 300 مصنف ( معجم المؤلفين : 2 / 566 ) .